شبهات و ردود
الشيخ عثمان الخميس
تفريغ من الأشرطة
أبو بدر (النظير)

الشريط الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الحمد لله رب الأولين والآخرين الحمد لله خالق الخلق أجمعين الحمد لله حتى يرضى , والحمد لله إذا رضي , والحمد لله بعد الرضى , الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض , وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد , وصلاتاً وسلاماً على نبينا وإمامنا وحبيبنا وقدوتنا وقرة عيننا محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحابته أجمعين , أما بعد فبادء ذي بدء نقول إنّ الله تبارك وتعالى إنما بعث الأنبياء والمرسلين مبشرين ومنذرين وختمهم بسيدهم وإمامهم محمد بن عبد الله وأنزل الله إليه أحسن كتبه وجعل له أحسن شرائعه , وأمتن الله عليه بأن جعل أمته أفضل الأمم فقال جل ذكره { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } , هذه الأمة – أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم – التي أخبر عنها رسولها و نبيها وسيدها صلوات الله وسلامه عليه أنها خير الأمم وبين أن قرنه خير القرون فقال صلوات الله وسلامه عليه : ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ….
ومن خصائص هذه الأمة المحمدية أنها تحب الخير للناس كل الناس , وهي أمة مرحومة وأمة راحمة ترحم الناس وتهديهم بفضل الله تبارك وتعالى إلى سراط الله وتهديهم إلى سنة نبيها محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. تحب أن يهتدي الجميع تحب أن يدخل الجنة الجميع سالكين بذلك طريق نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسترشدين قول الله جل وعلا { معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } , وقد قدر الله جل وعلا أن تكون هناك فرقة بين هذه الأمة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ( إفترقت اليهود على إحدى وسبعين فُرقة , وأفترقت النصارى على إثنتين وسبعين فرقة ( ثم قال) وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ( ثم قال ) كلها في النار إلا واحدة ) ولا شك أن كل مسلم يتمنى أن يكون من هذه الفرقة , بل الواقع يقول أن كل مسلم يدعي أنه من أتباع هذه الفرقة ولكن – كما قيل – البينة على المدعي
والدعاوى إن لم تقيموا عليها بينات فأصحابها أدعياء
فكل من إدعى دعوة في أي موضوع كانت لا بد أن يأتي بالبينة التي بها تُقبل دعواه وإلا رُدت دعوته عليه ولم يُسمع منه ..
قامت مناظرات ومساجلات وكُتبت كتب في حرص كل فرقة على نصح وإرشاد وإظهار عيب والرد على الفرق الأخرى مدعية كل فرقة من هذه الفرق أن الحق معها وأنها صاحبته الملازمة له وأن غيرها على ضلال وهذا واقع الأمر
كل يدعي وصلا لليلى ..
وأصدق من ذلك قول الله تبارك تعالى { كل حزبٍ بما لديهم فرحون } ..
ومن ضمن هذه المساجلات أو المحاورات التي تقع بين الناس ما قدر الله تبارك وتعالى أن يكون … ( إنقطاع بسيط في التسجيل )
وهي محاورة وقعت لمكلمكم مع بعض الشيعة الأثني عشرية وذلك في آخر عشر ليال من رمضان من سنة 1423ه وقدر الله تبارك وتعالى أن تكون هذه المحاورة وهذه المساجلة في بلاد الكفر في لندن في بريطانيا , وإستمرت هذه المناظرة لمدة عشر ليال وقد شاركني من إخواني من أهل السنة والجماعة في هذه المناظرة الدكتور أبو المنتصر عبد الرحيم البلوشي والشيخ أبو عبيدة عبد الرحمن الدمشقية وسبقنا إلى ذلك الشيخ عبد السلام المغربي .
بينما شارك من الجهة الأخرى أعني من الشيعة الأثني عشرية الدكتور عبد الحميد النجدي والدكتور محمد التيجاني السماوي وسبقهم قبل ذلك معمم يقال له شمران العجلي وآخر لا أعرفه , فعلى كل حال أنها دارت هذه المساجلة وهذه المحاورة وراءاها ملايين المسلمين وحكموا كل واحد منهم بكل ما رأى وسمع ..
ثم قدر الله تبارك وتعالى أن تكون مناظرة أخرى لمكلمكم كذلك بعد المناظرة الأولى بشهر تقريباً في شوال مع الدكتور محمد الموسوي والجلسة الأولى مع التيجاني والنجدي إستمرت أو إستغرقت خمسة عشرة جلسة حضرت منها عشر جلسات وأما الثانية مع الدكتور محمد الموسوي فأستغرقت خمس جلسات حضرتها كلها بل كنت وحدي مع الدكتور محمد الموسوي ممثلا للشيعة الأثني عشرية .
وطبيعي جداً أن يدلي كل واحد من المحاورين بدلوه ويستشهد على ما يقول ويستدل ويرد قول من يخالفه إذا ظن أنه خطأ ويعضد قوله بما يرى من الأدلة من الكتاب والسنة ومن النظر والعقل الصريح ..
والمناظرات والمحاورات لها ظروفها ولذلك أثناء المحاورة وأثناء المناظرة قد يقع من الإنسان بحكم جو المناظرة وطريقة المناظرين وزحمة المعلومات وكثرة الإتصالات وغير ذلك كثير قد يحدث ولابد أن يحدث خاصة في مثل هذه المناظرات العميقة أقول قد يحدث شيء من التقصير في شرح فكرة أو في رد مسألة وبيان زيفها أو غير ذلك من الأمور .. ولذلك ناسب أن نجلس الآن هذه الجلسة لنبين ونوضح ما كان يجب أن يوضح في ذلك الوقت .
وقبل ذلك أقول لماذا لم يبين في ذلك الوقت ولماذا يبين الآن ؟
أولا من أهم الأسباب ضيق الوقت , وذلك أن الوقت كان ضيقاً فما كان بوسع الواحد أن يتكلم بكل ما يستطيع في وقت ضيق محدد له , فضيق الوقت كان من أهم الأسباب التي منعت من طرح كل ما نريد أورد وتوضيح وبيان تلبيس كل ما ذُكر .
ثم كذلك من الأسباب أننا كنا نقدم الأولويات ونرى أن نقدم الأهم على المهم ولذلك أهملنا بعض تلك الأمور لكوننا أننا كنا نرى أن غيرها أهم , قد نكون مصيبين في ذلك و قد نكون مخطئين , ولكن هكذا رأينا أثناء المناظرة أن نلتزم خطاً واحداً وهو في عرض ما نراه مهماً دون الألتفات إلى كل ما يُطرح لأنه كان يُقصد منه - كما تبين في أثناء المناظرة - بلبلة الأفكار وتشتيت الموضوع لعدم التركيز على قضية معينة حتى نخرج منها بنتيجة بينة .
كذلك من الأسباب عدم منهجية المناظرين – الدكتور عبد الحميد النجدي والدكتور محمد التيجاني – وإنْ شئت ضم إليهما الدكتور محمد الموسوي لما جلست معه وحدي , فقد لاحظت أثناء المناظرة أنهم يخرجون عن الموضوع ويحاولون أن يثيروا الشغب ويكثرون من المقاطعة وتشتيت الموضوع والكلام يمنة ويسرة , ولهذا كان هذا سبباً قويا في عدم طرح كل ما نريد .
كذلك كنا نلتزم بموضوع الحوار الذي كان يحدد في نهاية كل جلسة للجلسة القادمة عن ماذا سنتكلم ؟ , فكنت ألتزم بموضوع الحوار قدر ما أستطيع ولذلك عندما أسمع بعض الأمور التي هي خارجة عن الحوار أحياناً أردها وأحياناً أتركها حتى أستغل وقتي فيما كان الحوار لأجله .
كذلك من الأسباب أن مدير الحوار , كان يطرح أسئلة خارج الموضوع أحياناً وكنا ملتزمين بالرد عليه على الأقل أدباً , ولذلك كان هذا أيضاً يأخذ من وقتنا ويخرجنا أحيانا عن الموضوع الذي كنا نريد أن نتحدث عنه .
كذا أظن أن بعض المسائل تمت الإجابة عليها أثناء المناقشة وأثناء الحوار ولكن لعل الإجابات كانت مقتضبة أو كانت كاملة ولكن لو أُسهب فيها أكثر لكان أفضل , لإجل هذا كله جلسنا هذه الجلسة , لإجل هذا كله أردنا أن نكون معكم مرة ثانية حتى نطرح عليكم ما نعتقد أنه حق رحمة بكم وإرادة للخير كما هو منهج أهل السنة والجماعة .
سيكون مدار حديثنا في هذه الجلسة على نقاط سألتزم بها – بحول الله تبارك وتعالى وقوته - وهي عبارة عن شبهات أُثيرت أو مسائل ذُكرت في أثناء المناظرة ولم يُجب عليها إجابة وافية أحددها ثم أفصلها – بحول الله وقوته -
سيكون حديثنا عن آية الولاية , ثم آية التطهير , ثم آية ذوي القربى , ثم آية { ثم أورثنا الكتاب } وسنبدأ بالقرآن الكريم …..
ثم بعد ذلك ننتقل إلى نصوص السنة المشرفة إلى حديث المنزلة, ثم حديث الثقلين , ثم حديث الأثني عشر , ثم حديث رزية الخميس , ثم حديث الغدير ثم حديث الإنذار , ثم حديث السُبّق – ثلاثة – ثم حديث سفينة نوح , ثم حديث ( من سره أن يحى حياتي ويموت موتي ) ..
ثم بعد ذلك نختم بشبهة التحريف متمثلة بأمرين إثنين – أعني تحريف القرآن الكريم الدعوى الباطلة التي يدعيها القوم - وهو أن الصحابة رضي الله عنهم حرفوا كتاب الله تبارك و تعالى , ثم بعد ذلك لما صارت هذه التهمة بدل أن تكون على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم صارت سبة في وجوه من إدعوها ومن طعنوا في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أجلها , فلم يجدوا مخرجا إلا أن يتهموا أهل السنة بأنهم كانوا يقولون بالتحريف ومازالوا يقولون بالتحريف محتجين بذلك بمسألتين هما مسألة نسخ التلاوة ومسألة القراءة فهذا هو تقريبا حديثنا معكم في هذه الجلسة التي أسأل الله جل وعلا فيها أن يسدد لساني ويثبت فيها جناني فأقول مستعينا بالله جل وعلا :
اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون , وكما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه في قيامه لليل : ( اللهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض أنت تحكم بين عبادك فيما كتنوا فيه يختلفون إهدنا إلى ما أُختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى سراط مستقيم ) , اللهم أرنا الحق حقاً وأرزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلاً وأرزقنا إجتنابه :
آية الولاية :
آية الولاية هي قول الله تبارك وتعالى {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ 55 } المائدة..
يستدلون بهذه الآية على إمامة علي رضي الله عنه وأرضاه قبل أبي بكر وقبل عمر وقبل عثمان .
وجه الدلالة ليس في هذه الآية وإنما في سبب نزول هذه الآية , فالآية إذا كما ترون عامة يقول الله فيها {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ 55 } لا ذكر فيها أبداً لعلي رضي الله عنه ولا ذكر فيها لأحد من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه , إنما تذكر {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ 55 } إذاً أين الدلالة ؟؟ الدلالة هي في تفسير هذه الآية وهو سبب نزولها كما يزعم القوم فما سبب نزول الآية عندهم ؟؟
إنّ سبب نزول الآية عندهم دعوى أنّ علياً رضي الله عنه كان يصلي فجاء سائل يسأل الناس فلم يعطه أحد شيئاً , فجاء إلى علي وهو راكع فمد علي يده وفيها خاتم فأخذ الرجل الخاتم من يد علي رضي الله عنه فأنزل الله جل وعلا هذه الآية {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ 55 } فيقولون الذين آتوا الزكاة وهم راكعون هم واحد وهو علي بن أبي طالب فهذه الآية أو ما تسمى عندهم بآية الولاية وهي أقوى دليل عندهم بهذه المسألة كما قرأت لبعض علمائهم .
لنرى هل هذه الآية فعلاً تدل على مرادهم أو لا تدل , هذه الآية طُرحت في أثناء المناظرة وتم الرد على بعض شبههم فيها ولكن كما قلت نحتاج إلى أن نسهب أكثر في بيان معنى هذه الآية وبيان مدى دلالتها على ولاية علي رضي الله عنه وأرضاه .
إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ 1 الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ 2 } , ويقول رسولنا صلوات الله وسلامه عليه : ( إن في الصلاة لشغلاً ) متفق عليه .
وعلي عندنا معاشر أهل السنة والجماعة من أئمة المسلمين ومن أئمة المتقين ومن أئمة الخاشعين فلا نقبل أبداً أن ينسب إلى علي رضي الله عنه أن يشتغل بإخراج الزكاة وقت الصلاة , بل نرى أن علياً رضي الله عنه ممن يلتزم بقول الله تبارك وتعالى {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ 1 الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ 2 } ويلتزم بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن في الصلاة لشغلاً ) , ثم يقال بعد هذا كله إن الأصل في الزكاة أن يتقدم بها المزكي لا أن ينتظر الفقير أو المحتاج حتى يأتيه ويطلب منه هذه الزكاة , فهذا لا يُمدح وإنما يُمدح الذي يعطيها إبتداءاً للذي ينتظر الفقير حتى يأتيه ويعرض نفسه للسؤال , ونحن كذلك ننزه علياً رضي الله عنه من أن يفعل ذلك وهو أن ينتظر الفقير حتى يأتيه ثم يعطيه زكاة ماله .
ثم كذلك نقول إنّ الزكاة لم تجب على علي رضي الله عنه في زمن النبي صلوات الله وسلامه عليه بل كان فقيراً , إسألوا أنفسكم ماذا أمهر علي رضي الله عنه فاطمة رضي الله عنها ؟؟
أمهرها درعاً , لم يكن ذا مال , كان فقيرا ما كان يستطيع أن يشتري خادماً لفاطمة , ولذلك لما سمع علي رضي الله عنه وفاطمة رضي الله عنها بقدوم سبي للنبي صلى الله عليه وسلم ذهبا يطلبان خادماً , ما كانا يملكان حتى شراء خادم , ومع هذا يأتي علي ويتزكى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم !! هذا لا يمكن أبداً , ما كانت الزكاة واجبة على علي زمن النبي صلى الله عليه وسلم .
كذلك نقول ليس في هذه الآية مدح لمن يعطي الزكاة وهو راكع , إذ لو كان الأمر كذلك لكان إعطاء الزكاة أثناء وقت الركوع أفضل من غيره من الأوقات !! ونقول لجميع الناس أعطوا زكاة أموالكم وأنتم ركوع لأن الله مدح الذين يعطون زكاة أموالهم وهم ركوع !! ولقلنا للفقراء إبحثوا عن الراكعين وأسألوهم الزكاة ولا أظن أنه يقول احد من أهل العلم مثل هذا الكلام .
ثم إن الله جل وعلا ذكر إقامة الصلاة ولم يذكر أدائها , فلنحاول أن نتدبر الآية قليلاً , إن الله جل وعلا يقول : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ } ثم وصفهم الله جل وعلا قال { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } فلم فصل بين الركوع والصلاة وأدخل بينهما الزكاة , إن القرآن يعلم جميع المسلمين أنه أفصح القول ولا يستطيع أحد أن يمسك على القرآن ولا غلطة واحدة في نحوٍ ولا بلاغة ولا صرف ولا في غيرها من الكلمات أبداً لا يمكن هذا , أحسن الحديث وأحسن الكلام , إذا كان الأمر كذلك – ولا أظن أن مسلماً يخالفني في ذلك – فكيف دخلت الزكاة بين الصلاة والركوع ؟ ثم إن الصلاة إنما ذكرت بالإقامة فقال جل ذكره { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ } إن إقامة الصلاة تختلف تماماً عن أدائها وذلك أن إقامة الصلاة هي أن تؤدى هذه الصلاة بكمال شروطها وأركانها وواجباتها بل ومستحباتها مع حسن وضوء وحسن خشوع , هذه هي إقامة الصلاة ولذا جاء بعده ذكر الزكاة أما قوله جل وعلا { وَهُمْ رَاكِعُونَ } فليس له دخل في الصلاة أصلا وإنما الركوع هنا بمعنى الخضوع لله جل وعلا كما قال سبحانه وتعالى عن داوود عليه السلام {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ 24 } ومعلوم أن داوود عليه السلام إنما خر ساجداً ولذا نسجد نحن إذا قرأنا هذه الآية سجود التلاوة , وداوود خر راكعاً فكيف يكون هذا ؟؟ نقول إن داوود خر ساجداً ولكن الله قال {َخَرَّ رَاكِعًا } نقول أي خاضعاً لله جل وعلا , فالركوع هو الخضوع لله جل وعلا .
ومنه قول الله جل وعلا عن مريم عليها السلام { يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ 43} أي إخضعي مع الخاضعين ولذا مريم كانت تعيش بيت المقدس , وهبتها أمها لبيت المقدس وأمرأة لا تجب عليها صلاة الجماعة مع الراكعين , وإنما المقصود إخضعي لله جل وعلا مع الخاضعين له سبحانه وتعالى .
فيكون مراد الله جل وعلا في هذه الآية كما ذكر أهل العلم ذلك { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } أي وهم في كل أحوالهم خاضعون لله جل وعلا .
كذلك نقول : لا نوافق أبداً بأن هذه الآية نزلت في علي رضي الله عنه وذلك أننا نعتقد جازمين أن هذه القصة غير صحيحة , لم يأت سائل ولم يسأل علياً وهو راكع ولم يدفع علي رضي الله عنه الزكاة وهو راكع لم يحدث شيء من ذلك أبداً .
ومن يقرأ هذه الآية وما سبقها وما يتبعها من الآيات يعلم علم اليقين أن الآية لها سبب آخر غير هذا السبب , وذلك أن الله جل وعلا يقول قبيل هذه الآية بثلاث آيات : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} فنهى الله جل وعلا المؤمنين أن يتولوا اليهود والنصارى , وقد جاء في الحديث وهو حديث حسن الإسناد أن سبب هذه الآية هي قصة وقعت لعبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه وذلك أن عبد الله بن أُبي بن سلول شفع عند النبي صلى الله عليه وسلم لبني قينقاع , لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتلهم شفع لهم عبد الله بن أبي بن سلول وأكثر في هذا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى تركهم له صلوات الله وسلامه عليه فأراد إخوانهم اليهود من بني النظير أن يشفع لهم عبادة بن الصامت كما شفع عبدالله بن أُبي بن سلول لإخوانه اليهود فر